عثمان بن جني ( ابن جني )

304

الخصائص

ومما نقضت مرتبته المفعول في الاستفهام والشرط ، فإنهما يجيئان مقدّمين على الفعلين الناصبين لهما ، وإن كانت رتبة المعمول أن يكون بعد العامل فيه . وذلك قوله سبحانه وتعالى : وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [ الشعراء : 227 ] ف ( أىّ منقلب ) منصوب على المصدر ب ( ينقلبون ) ، لا ب ( سيعلم ) ، وكذلك قوله تعالى : أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ [ القصص : 28 ] وقال : أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الإسراء : 110 ] فهذا ونحوه لم يلزم تقديمه من حيث كان مفعولا . وكيف يكون ذلك وقد قال عزّ اسمه : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا [ النحل : 76 ] وقال تعالى : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ [ البقرة : 65 ] وقال يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ [ النساء : 46 ، المائدة : 13 ] وقال : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ [ التحريم : 2 ] وهو ملء الدنيا كثرة وسعة ، لكن إنما وجب تقديمه لقرينة انضمّت إلى ذلك ، وهي وجوب تقدّم الأسماء المستفهم بها والأسماء المشروط بها . فهذا من النقض العارض . ومن ذلك وجوب تأخير المبتدأ إذا كان نكرة وكان الخبر عنه ظرفا ؛ نحو قولهم : عندك مال ، وعليك دين ، وتحتك بساطان ومعك ألفان . فهذه الأسماء كلّها مرفوعة بالابتداء ، ومواضعها التقديم على الظروف قبلها التي هي أخبار عنها ، إلا أن مانعا منع من ذلك حتى لا تقدّمها عليها ، ألا ( ترى أنك ) لو قلت : غلام لك ، أو بساطان تحتك ونحو ذلك لم يحسن ؛ لا لأن المبتدأ ليس ( موضعه التقديم ) لكن لأمر حدث ، وهو كون المبتدأ هنا نكرة ؛ ألا تراه لو كان معرفة لاستمرّ وتوجّه تقديمه ، فتقول : البساطان تحتك ، والغلام لك . أفلا ترى أنّ ذلك إنما فسد تقديمه لما ذكرناه : من قبح تقديم المبتدأ نكرة في الواجب ، ولكن لو أزلت الكلام إلى غير الواجب لجاز تقديم النكرة ؛ كقولك : هل غلام عندك ، وما بساط تحتك ، فجنيت الفائدة من حيث كنت قد أفدت بنفيك عنه كون البساط تحته ، واستفهامك عن الغلام : أهو عنده أم لا ؟ إذ كان هذا معنى جليّا مفهوما . ولو أخبرت عن النكرة في الإيجاب مقدّمة فقلت : رجل عندك كنت قد أخبرت عن منكور لا يعرف ، وإنما ينبغي أن تقدّم المعرفة ثم تخبر عنها بخبر يستفاد منه معنى منكور ،